ملا محمد مهدي النراقي

252

جامع السعادات

الأعضاء الرئيسة ، وهضما لها بملاقاتها أثر التربة الخسيسة . ثم لما كان القلب هو الرئيس الأعظم لهذه الجوارح والأعضاء ، والمستخدم لها في تلك الأمور المبعدة عن جنابه تعالى ، وهو الموضع لنظر الله سبحانه ، كما قال ( ص ) : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم ) ، فله من ذلك الحظ الأوفر والنصيب الأكمل . فيكون الاشتغال بتطهيره من الرذائل والتوجهات المانعة من درك الفضائل أولى من تطهير الأعضاء الظاهرة عند اللبيب العاقل . وإذا لم يمكن تطهيره من الأخلاق الرذيلة ، وتحليته بالأوصاف الجميلة ، لرسوخه على حب الدنيا الدنية ، فليقمه في مقام الهضم والإزراء ، ويسقيه بسياط الذل والاغضاء . كما إنه عند تعذر غسل الأعضاء بالماء يهضمها ويذللها بالوضع على التراب ، عسى أن يرحم ربه تواضعه وانكساره ، فيهبه نفحة من نفحات نوره اللامع ، فإنه عند المنكسرة قلوبهم ، كما ورد في الأثر ، فترق من هذه الإشارات ونحوها إلى ما يوجب لك الإقبال ، ويتدارك سالف الإهمال . ثم ما ذكر من السر في الطهارة ، يمكن استنباطه - مع زيادة - من كلام مولانا الصادق ( ع ) في ( مصباح الشريعة ) ، حيث قال : ( إذا أردت الطهارة والوضوء ، فتقدم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله ، فإن الله تعالى قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته ، ودليلا إلى بساط خدمته ، وكما أن رحمة الله تطهر ذنوب العباد كذلك النجاسات الظاهرة يطهرها الماء لا غيره ، قال الله تعالى : ( وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) ( 8 ) . وقال الله - تعالى - : ( وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون ) ( 9 ) . فكما أحيى به كل شئ من نعيم الدنيا ، كذلك برحمته وفضله جعل حياة القلوب بالطاعات . وتفكر في صفاء الماء ورقته ، وطهره وبركته ، ولطيف امتزاجه بكل شئ . واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله

--> ( 8 ) الفرقان ، الآية : 48 ( 9 ) الأنبياء ، الآية : 30